ذاكرة المخطوط في عهدة الصورة.. كيف تتحول النسخة الخطية من خزينة مغلقة إلى مصدر متاح للباحث؟
قسم الشؤون الفكرية والثقافية
2026-10-10
المخطوطات ليست كتبًا قديمة فحسب؛ بل هي وثائق تحمل في صفحاتها طبقات من المعرفة والتاريخ، وتختزن نصوصًا ربما لا توجد في مصادر أخرى، لكن الوصول إلى هذه الكنوز ليس دائمًا سهلًا، فبعضها محفوظ في مكتبات بعيدة، وبعضها في خزائن خاصة، وبعضها الآخر يحتاج إلى إجراءات دقيقة للحفظ والتعامل.
من هنا يأتي عمل مركز تصوير المخطوطات وفهرستها التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة في قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الذي تأسس عام 2009م وتطور عمله ليشمل التصوير والأرشفة والفهرسة والوثائق والمكتبة التخصصية، وصولًا إلى المشاريع الرقمية التي تتيح للباحث الوصول إلى بيانات المخطوطات وطلبها عن بُعد.
وفي هذا الحوار مع مدير المركز الأستاذ صلاح السراج نحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة: ماذا يفعل المركز تحديدًا؟ كيف يصل إلى المخطوطات الموجودة في المكتبات داخل العراق وخارجه؟ كيف تُصوَّر النسخة الخطية؟ ماذا يحدث للصورة بعد التقاطها؟ وكيف تصل في النهاية إلى الباحث؟
س: متى بدأ مركز تصوير المخطوطات وفهرستها، وما الفكرة التي قام عليها؟
ج: تأسس مركز تصوير المخطوطات وفهرستها عام 2009م ضمن ملاكات مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة، وتتمثل فكرته الأساسية في جمع وتصوير التراث المخطوط وحفظه وإتاحته للباحثين والمحققين، إلى جانب بناء علاقات التعاون مع المكتبات والجامعات والمؤسسات التراثية داخل العراق وخارجه.
ومع مرور السنوات اتسعت مهام المركز لتشمل التصوير والأرشفة والفهرسة والوثائق والمكتبة التخصصية، ولم يعد العمل مقتصرًا على إنتاج مصورات للمخطوطات، بل أصبح جزءًا من منظومة متكاملة للتعريف بالتراث المخطوط وحفظه وتيسير الإفادة منه.
س: لماذا يحتاج التراث المخطوط إلى التصوير أصلًا؟
ج: لأن الوصول إلى المخطوطة الأصلية ليس متاحًا دائمًا للباحث سواء بسبب وجودها في مكتبة بعيدة، أو لكونها محفوظة ضمن مجموعة خاصة، أو بسبب ضرورة المحافظة على النسخة الأصلية من كثرة التداول.
ويمكن للباحث دراسة المخطوط عن بُعد بدل السفر إلى مكان حفظه أو طلب إخراجه بصورة متكررة، وحماية التراث من الضياع إذا تعرض الأصل للتلف أو الفقد، تبقى له نسخة مصورة يمكن الرجوع إليها، ولا ننسى الدراسة والمقارنة حيث يتيح التصوير عالي الدقة تكبير التفاصيل ومقارنة النسخ المختلفة، وأحيانًا كشف كتابات أو علامات يصعب رؤيتها بالعين المجردة، ويمكن استخدام الصور في تحقيق النصوص والفهارس والدراسات، مع بقاء الأصل محفوظًا.
لذلك يعمل المركز على إنتاج نسخة مصورة تحفظ محتوى المخطوط وتتيح للباحث دراسته دون الحاجة في كل مرة إلى الوصول إلى الأصل.
وتشير مشاريع المركز إلى أن التصوير يمثل المرحلة الأولى ضمن سلسلة تبدأ بالوصول إلى النسخة الخطية ثم تصويرها وحفظها وأرشفتها، قبل أن تنتقل إلى مراحل الفهرسة والإتاحة للباحثين.
س: هل يقتصر عمل المركز على المخطوطات الموجودة في العتبة العباسية المقدسة؟
ج: لا. فالمركز يعمل في اتجاهين: التصوير الداخلي والتصوير الخارجي:
ويشمل التصوير الداخلي مخطوطات وكتبًا ووثائق محفوظة في خزانة العتبة العباسية المقدسة، بينما يتوجه ملاك المركز إلى مكتبات أخرى داخل العراق وخارجه لتصوير ما تحتويه من نسخ خطية.
وشملت أعمال التصوير مكتبات في كربلاء والنجف وبغداد ومحافظات عراقية أخرى، إضافة إلى مكتبات ومؤسسات تراثية في دول مختلفة، منها إيران وباكستان ولبنان، فضلًا عن أعمال وصلت إلى مكتبات في لندن.
س: كيف تتم عملية تصوير المخطوط؟
ج: التصوير ليس مجرد التقاط صورة للصفحة، بل عملية فنية تحتاج إلى دقة في التعامل مع النسخة الخطية والمحافظة على ترتيب صفحاتها ومحتواها.
وقد تناول المركز في مناسبات علمية آليّة التصوير والأجهزة المستخدمة فيه، وبيّن أن العمل يعتمد على تقنيات متخصصة في التصوير الرقمي والميكروفيلمي بما يتناسب مع طبيعة المواد التراثية.
قبل البدء بالتصوير تُزال الأتربة السطحية بحذر إذا لزم الأمر، دون استخدام مواد قد تضر بالمخطوط، وتستخدم إضاءة متوازنة وغير مؤذية، ونتجنب الحرارة الزائدة، وفي التصوير المتخصص قد تُستخدم تقنيات ضوئية مختلفة لإظهار الكتابات الباهتة أو التفاصيل المخفية، تُلتقط صورة لكل صفحة أو لكل وجه من الورقة، يُراعى أن تكون الصورة مستقيمة، وأن تظهر الصفحة كاملة مع تفاصيلها، وتُراجع الصور للتأكد من وضوح الكتابة وعدم وجود أجزاء مقطوعة أو مشوهة، ثم تُحفظ النسخة الأصلية بصيغة عالية الجودة، ثم تُنشأ نسخ أخف للاستخدام على الإنترنت، تُسجل معلومات مثل اسم المخطوط، مؤلفه، رقم الحفظ، عدد الأوراق، وتاريخ التصوير، وبذلك لا تكون الصور مجرد ملفات منفصلة، بل تصبح جزءًا من قاعدة بيانات للتراث المخطوط.
وبعد إتمام التصوير تنتقل المصورات إلى الأرشيف، حيث تحفظ في وسائط إلكترونية مؤمنة تمهيدًا لإحالتها إلى مراحل الفهرسة.
س: ماذا يحدث للمخطوطة بعد تصويرها؟
ج: تعاد المخطوطة إلى مكانها الأصلي أو في خزانتها وتُحفظ في بيئة مناسبة من حيث الحرارة والرطوبة والإضاءة، وإذا كانت تحتاج إلى ترميم، يمكن أن تُحال إلى قسم الترميم، وتُخزن الصور الأصلية عالية الدقة في نظام أرشفة آمن، ويُحتفظ عادةً بأكثر من نسخة احتياطية لتجنب فقدانها.
ثم تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن التصوير، وهي الأرشفة والفهرسة.
فالمصورات تحفظ أولًا ضمن نظام أرشيفي ثم يجري تنظيم المعلومات المتعلقة بالمخطوط وفهرستها، بما يتيح التعرف إلى عنوانه وموضوعه ومكان حفظه وسائر البيانات التي يحتاجها الباحث.
وهذا يعني أن الصورة وحدها ليست نهاية المشروع؛ فالقيمة البحثية تتضاعف عندما تصبح النسخة المصورة جزءًا من قاعدة معلومات منظمة يمكن البحث فيها والوصول إليها.
س: ما المقصود بفهرسة المخطوطات؟ ولماذا تعد ضرورية؟
ج: فهرسة المخطوطات: هي عملية وصف المخطوط وصفًا علميًا وتاريخيًا وماديًا وتسجيل بياناته الأساسية في سجل أو قاعدة بيانات بحيث يمكن التعرف عليه والوصول إليه ودراسته بسهولة.
ولا تقتصر الفهرسة على كتابة عنوان المخطوط ومؤلفه، بل تشمل عادةً معلومات مثل:
عنوان المخطوط واسم المؤلف.
هوية الكتاب وهو بيان ما اشتمل الكتاب على أبواب وفصول وتاريخ تأليف وسبب التأليف وغيرها من المعلومات الببلوغرافية.
أول النص ونهايته.
تاريخ النسخ واسم الناسخ، إن وُجدا.
عدد الأوراق أو الصفحات وقياسات المخطوط.
موضوع النسخة ولغتها.
وجود الزخارف أو الرسوم أو الأختام والتملكات.
مكان حفظ المخطوط ورقم الحفظ.
المراجع أو المصادر التي تناولت المخطوط.
وتعد الفهرسة ضرورية:
لأن المخطوط إذا لم يُفهرس قد يكون موجودًا ماديًا لكنه شبه مفقود من الناحية العلمية؛ إذ يصعب على الباحث معرفة وجوده أو الوصول إليه.
وتكمن أهميتها في أنها:
1- تعرّف بالمخطوط وتحدد هويته ومحتواه.
2- تسهل الوصول إليه داخل المكتبة أو المركز أو الأرشيف.
3- تساعد الباحثين على العثور على النسخ التي يحتاجون إليها.
4- تكشف عن تعدد النسخ للكتاب الواحد، وهو أمر مهم في تحقيق النصوص.
5- توثق تاريخ المخطوط وانتقاله بين مالكيه ومراحل نسخه.
6- تحمي التراث من الضياع من خلال تسجيل بياناته حتى لو تعرض الأصل للتلف أو الفقد.
7- تربط الفهرسة بالتصوير الرقمي؛ فبعد تصوير المخطوط يمكن ربط صوره ببياناته الفهرسية، فيصبح الوصول إليه ودراسته أكثر سهولة.
س: إلى أين وصل مشروع فهرسة مخطوطات خزانة العتبة العباسية المقدسة؟
ج: إن مشروع فهرسة مخطوطات خزانة مكتبة العتبة العباسية المقدسة وصل إلى الجزء الخامس من فهرس مخطوطاتها والجزء السادس قيد الطبع.
حيث غطّت الأجزاء الستة حتى الآن 2200 مخطوطة، هذه المخطوطات تضم 3195 عنوانًا في مجالات مختلفة من العلوم والمعارف، والجزء السادس وحده وثّق 400 مخطوطة، اشتملت على 576 عنوانًا، والعمل لم ينتهِ بعد فالمركز مستمر في فهرسة ما تبقى من مخطوطات الخزانة وإصدارها في أجزاء لاحقة.
كما تجاوزت فهرسة المصورات النسخ الخطية (107) ألف عنوان وأُتيحت عبر موقع (المرجع الرقمي للتراث المخطوط) (https://dromh.org).
وهذه الإصدارات لا تمثل مجرد قوائم بالمخطوطات، وإنما أدوات علمية تساعد الباحث على معرفة ما تتضمنه الخزانة والوصول إلى موادها بصورة منظمة.
س: وهل يملك المركز مكتبة متخصصة تساعد الباحثين في الوصول إلى المخطوطات؟
ج: نعم، يضم المركز مكتبة تخصصية لفهارس المخطوطات، تجمع فهارس المخطوطات من بلدان عربية وأجنبية مختلفة.
حيث تضم المكتبة أكثر من 3,343 مجلدًا من فهارس المخطوطات، مع استمرار رفدها بفهارس جديدة، ومنها فهارس لمكتبات تركية مهمة.
وتكتسب هذه المكتبة أهمية خاصة؛ لأنها تختصر على الباحث جهد التنقل بين المكتبات المختلفة لمعرفة أماكن وجود النسخ الخطية.
ومن هنا فإن جمع الفهارس لا يقل أهمية عن جمع المصورات؛ فالمصورة تحفظ النص، بينما تساعد الفهرسة على اكتشاف مكان النص والتعرف إلى خصائصه.
س: وهل يعمل المركز على الوثائق التاريخية أيضًا؟
ج: نعم، يمتد عمل المركز إلى الوثائق التاريخية من خلال تصويرها وتحليلها وأرشفتها، ثم الإفادة منها في إصدارات ودراسات تعنى بالوثائق التاريخية.
ومن أبرز المشاريع في هذا المجال مبادرة "تراثك أمانة" التي أطلقها المركز عام 2020م، ودعا من خلالها العوائل العراقية إلى تقديم ما لديها من وثائق ومخطوطات تاريخية نفيسة للمحافظة عليها وفق أساليب الحفظ المعتمدة.
وقد أثمرت المبادرة عن وصول مجموعات وثائقية إلى خزانة العتبة المقدّسة؛ ففي إحدى الحالات أُهديت 84 وثيقة، منها 60 وثيقة تخص تاريخ العراق و24 وثيقة تعود إلى الحقبة القاجارية.
س: هل يصل عمل المركز إلى خارج العراق؟
ج: نعم، وبصورة واضحة.
فإلى جانب تصوير المكتبات داخل العراق نفذ المركز أعمالًا في مؤسسات تراثية خارج البلاد، ومن الأمثلة على ذلك مشروع رقمنة مخطوطات ووثائق متحف آشتيان في إيران، حيث تم رقمنة 243 مخطوطًا و191 كتابًا حجريًا و4,227 وثيقة تاريخية خلال مدة بلغت 13 يومًا.
كما يستمر المركز في بناء العلاقات مع المؤسسات العلمية والتراثية في بلدان مختلفة، وتبادل الخبرات والمصورات معها.
س: وكيف يصل الباحث إلى هذه المواد إذا كان خارج العراق؟
ج: من خلال "المرجع الرقمي للتراث المخطوط"، وهو أحد أبرز المشاريع الرقمية التي ينفذها المركز.
يتيح المشروع البحث في بيانات النسخ الخطية المصورة، وتظهر البيانات باللغتين العربية والإنجليزية، كما يستطيع الباحث تقديم طلب للحصول على المخطوط من خلال استمارة إلكترونية، ثم يجري تزويده بالمادة المطلوبة عن بُعد وفق الإجراءات المعتمدة.
وهنا تظهر إحدى أهم التحولات في عمل المركز: فالمادة التي كانت تتطلب حضور الباحث إلى مكتبة أو مدينة بعيدة أصبحت قابلة للوصول إلى بياناتها إلكترونيًا.
س: ما الموضوعات التي تغطيها المخطوطات المفهرسة؟
ج: تمتد الموضوعات إلى مجالات معرفية متعددة، منها الفقه وأصوله، والحديث، والأدب، والتاريخ والبلاغة، إلى جانب موضوعات أخرى في العلوم الإنسانية والصرفة وغيرها.
كما أن خزانة العتبة العباسية المقدسة نفسها تضم مخطوطات في علوم متنوعة، وقد تناولت إصدارات الفهرسة موضوعات تشمل علوم القرآن والفقه وأصوله واللغة والأدب والطب والحساب والهندسة والرياضيات والفلسفة والمنطق وغيرها.
س: هل يكتفي المركز بحفظ التراث أم يسهم في صناعة المعرفة حوله؟
ج: يتجاوز العمل الحفظ إلى خدمة البحث العلمي.
فالمركز يشارك في المؤتمرات والندوات والمعارض المتخصصة، ويقدم بحوثًا تتناول آليات الفهرسة والتصوير والخدمات العلمية المقدمة للباحثين.
فقد شارك المركز في عدد من المؤتمرات والندوات والمعارض الخارجية والداخلية منها: مؤتمران في تركيا وآخران في مصر وفي ماليزيا وإيران والهند فضلا عن العراق مثل: المجمع العلمي العراقي وعدد من الجامعات.
س: هل ينقل المركز خبراته إلى مؤسسات أخرى؟
ج: نعم، إذ اتجه المركز إلى التدريب وبناء الشراكات العلمية.
حيث أقام مجموعة من الدورات التدريبيّة لعدد من المؤسسات منها: أقامة دورة تخصصية لملاكات دار المخطوطات العراقية، وتناولت التصوير الرقمي وفهرسة المخطوطات وأرشفتها، ودورة متقدمة لملاكات مركز تراث الجنوب، واشتملت على جانبين نظري وعملي في فهرسة المخطوطات وتصنيفها، وغيرها من الدورات التخصصية.
ويكشف ذلك عن انتقال دور المركز من تنفيذ العمل داخل مؤسسته إلى المساهمة في تطوير الخبرات المتخصصة لدى مؤسسات أخرى تعنى بالتراث.
س: ما أهمية التعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية؟
ج: التعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية مهم جدًا في مشاريع المخطوطات داخل العراق وخارجه؛ لأن حفظ المخطوط وحده لا يكفي، بل ينبغي تحويله إلى مادة علمية قابلة للدراسة والتحقيق والنشر، ولدينا تعاون محلي مع بعض الجامعات العراقية مثل جامعة بغداد، والمستنصرية، وبابل، والبصرة، ومعظم المؤسسات والمكتبات التراثية في العراق، وتعاون دولي مع جامعة طهران وجامعة قم ومعظم المؤسسات والمكتبات التراثية في ايران.
وتظهر أهمية هذا التعاون في عدة جوانب:
تبادل الخبرات
تدريب الباحثين والطلبة
تحقيق المخطوطات ونشرها
تبادل المصورات والبيانات
إنشاء مشاريع علمية مشتركة
ويُعدّ التعاون مع الجامعات والمؤسسات المكتبات التراثية جزءًا أساسيًا من استراتيجية المركز، وليس نشاطًا جانبيًا.
س: وهل يستفيد المركز نفسه من تبادل المصورات الرقمية والفهارس؟
ج: نعم، بل إن تبادل المصورات والفهارس يعود على المركز نفسه بفائدة مباشرة وكبيرة، وليس مجرد خدمة يقدمها للجهات الأخرى. وهذا مذكور صراحة في الوصف الرسمي لخدمة التنسيق مع المكتبات والمراكز التراثية.
ومن أهم الفوائد هي:
إثراء بنك المصورات: وبذلك تتوسع مجموعته الرقمية باستمرار.
الوصول إلى نسخ نادرة:
تحسين الفهرسة: عندما يحصل المركز على مصورات جديدة، يستطيع فهرستها وإضافة بياناتها إلى قواعده، فتتسع خريطته للمخطوطات الموجودة في المكتبات المختلفة.
المقارنة بين النسخ: امتلاك صور متعددة للكتاب نفسه يساعد المفهرس والمحقق على معرفة الفروق بين النسخ وتحديد النسخ ذات الأهمية.
بناء شبكة مؤسساتية: تبادل المصورات يفتح الباب لتبادل الخبرات والاتفاقات ومشاريع الفهرسة والنشر المشترك؛ وهذا أحد الأهداف المعلنة للمركز.
وأن هذا التبادل أصبح ذا أثر كبير في حجم النسخ الرقمية؛ فقد وصلت اعداد مصورات المركز قرابة 614,346 نسخة خطية تعود إلى نحو 760 مكتبة محلية وعالمية.
س: ما الذي يميز المركز عن مجرد أرشيف رقمي للمخطوطات؟
ج: الفرق الجوهري أن الأرشيف الرقمي يحفظ الملفات، أما المركز فيعمل على دورة حياة المخطوط كاملة: الوصول إليه، وتصويره، وفهرسته، ودراسته، وإتاحته للباحثين، وبناء العلاقات مع المؤسسات التي تملك نسخًا أخرى.
كما أن عمله يشمل الوثائق التاريخية والمكتبة التخصصية والتدريب والتعاون العلمي، وهو ما يجعل المشروع أوسع من مجرد تخزين صور رقمية.
س: ماذا يعني حفظ المخطوط رقميًا بالنسبة إلى مستقبل التراث؟
ج: الرقمنة توفر وسيلة إضافية لحماية المحتوى المعرفي للمخطوط من مخاطر التلف أو الضياع، وتتيح إنشاء نسخ يمكن حفظها في أكثر من وسيط ومكان.
إن من فوائد الرقمنة حماية النتاجات العلمية من التلف الناتج عن كثرة الاستخدام، وتسهيل التعامل معها، وإمكانية حفظ النسخ في أماكن متعددة، إلى جانب خزن النتاجات الرقمية على وسائط طويلة العمر وفي أماكن محمية.
لكن الرقمنة لا تلغي أهمية الأصل؛ فالنسخة الأصلية تبقى وثيقة مادية لها قيمتها التاريخية، فيما توفر الرقمنة طبقة إضافية من الحماية والإتاحة.
س: أين يقف المركز اليوم بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على تأسيسه؟
ج: انتقل المركز من مشروع يركز على التصوير إلى منظومة متخصصة تضم التصوير والأرشيف والفهرسة والوثائق والمكتبة التخصصية والخدمات الرقمية.
وبحلول 2026م تم توثيق أكثر من 614 ألف نسخة خطية من نحو 760 مكتبة محلية وعالمية، إلى جانب آلاف النسخ الموجودة في خزائن العتبة العباسية المقدسة. وفي الوقت نفسه يستمر العمل في فهرسة العناوين، وإصدار الفهارس، وتطوير "المرجع الرقمي للتراث المخطوط"، وتنظيم الدورات التخصصية وبناء الشراكات العلمية.
كما أن حضور المركز لم يعد محصورًا في كربلاء؛ فله نشاط وتواصل مع مؤسسات ومكتبات وشخصيات متخصصة في العراق وخارجه، وهو ما يظهر في الزيارات العلمية والمشاريع المشتركة والفعاليات المتخصصة.
س: وما الصورة التي يمكن أن نخرج بها عن مستقبل العمل؟
ج: إذا تتبعنا مسارات العمل التي ظهرت خلال السنوات الماضية فإن المركز يتجه نحو توسيع الخزين المصور، واستكمال الفهرسة العلمية، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز التعاون مع المؤسسات التراثية والأكاديمية، وتدريب الملاكات المتخصصة.
فالمشروع لم يعد قائمًا على سؤال: "كيف نصوّر المخطوط؟" فقط، بل أصبح يطرح سلسلة أسئلة أوسع: كيف نحفظه؟ كيف نصفه؟ كيف نعرّف الباحث بوجوده؟ كيف نسهّل الوصول إليه؟ وكيف ننقل الخبرة المتراكمة في التعامل معه إلى مؤسسات أخرى؟
وهنا تتضح فلسفة المركز: أن تكون الصورة بدايةً لمسار معرفي متكامل، لا نهايةً له.
بين الورق والفضاء الرقمي.
في النهاية، يمكن اختصار رحلة المخطوط داخل منظومة المركز في سلسلة مترابطة: المخطوط - التصوير - الأرشفة - الفهرسة - الفهرس العلمي - المرجع الرقمي – الباحث.
وبين كل حلقة وأخرى يقف عمل متخصص يحتاج إلى معرفة فنية وعلمية وتراكم خبرة.
ولهذا فإن قصة مركز تصوير المخطوطات وفهرستها ليست قصة أجهزة تصوير أو أرقام مصورات فحسب، بل قصة محاولة لبناء جسر بين الخزانة والباحث، وبين الماضي والحاضر، وبين المخطوط بوصفه أثرًا ماديًا والمخطوط بوصفه مصدرًا حيًا للمعرفة.
وكلما اتسعت عمليات التصوير والفهرسة والإتاحة الرقمية، أصبحت المخطوطات أقل عرضة لأن تبقى مجهولة المكان أو المحتوى، وأكثر حضورًا في حركة البحث العلمي والتحقيق والدراسة.
وهكذا تتخذ عملية حفظ التراث معنى يتجاوز صيانة الورق والحبر؛ فهي تعني أيضًا حفظ المعرفة التي حملها ذلك الورق والحبر، وتنظيم الطريق الذي يقود إليها.