قصص

الدّوران

القصة الحائزة على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ضمن فعاليات أسبوع الإمامة الدولي الأول 2023م.

الدّوران

أفنان عادل عباس مهدي الكربلائي

2026-02-12

افترّ ثغر اللّيلة المباركة عن سكينة غريبة، وشعّ سلام حالم على دروب الكون، ومسالك الطّرق رغم تشعّبها وتقاطعها، لكن سرعان ما كشّرت الوحشة عن أنيابها، وتجّهمت الحياة كأنّها لم تبتسم يوما بوجهي!

لم يمضِ وقت طويل على وصولي هنا بعد تخبّط أشرعتي في بحار معتقدات عدّة، أمواج الضّياع قذفتني على شاطئ التّكية السّليمانيّة، وبدل انتهاز فرصة الارتواء من مياه العشق، وضرب دفوف الوصل، ها أنا أريق الماء وأجحده، ولا أكتفي بذلك بل أتجاسر لأكسر الدفّ والرّاح!!

فهل أصاب والديّ كبد الحقيقة حين صرّحا بأنّ روح شيطان تتلبّسني؟

بدليل تخبّطي وتردّدي في متاهات لا بداية لها ولا نهاية رغم وضوح الطّريق، وبدوري أنحيت باللّائمة عليهما، فمنذ خروجي على النّواميس الموروثة، والقوالب الجّاهزة لم أكفّ عن الدّوران... هذا الّذي لم أفلح في إكماله اللّيلة، والسّبب أن لا شيء طرق سمعي في المحفل سوى موسيقى العدم كفضاء خالٍ من الإحساس، لا شيء سوى الوهم طوّقني فمنعني من الاندماج المطلوب مع حركة الكواكب حول الشّمس واستلهام الفيوضات السّماويّة... لا شيء.

إحساس بالذنب يفترسني كما يفترس اللّيث غزالة مستسلمة، وربما هو إحساس بالضّياع مجددا، ليس مهمّا ما أشعر به الآن؛ لأنني فعلت فعلتي وانتهى أمري، لقد مزّقت كلّ أوراق عودتي للمكان الذي آواني حين نبذني الأقربون، واحتضنني في زمن أسلمني فيه الأدنون.

هرعت إلى باحة التكية متواريا عن سهام نظرات الجمع، هاربا كلصّ مطارد، نزعت قلنسوتي وأنا أواصل ركضي في الممر المسقّف بالقبب الصّغيرة، لم ألتفت خلفي لكنّ نظرة خاطفة حانت مني للقمر المسّور بهالة رماديّة شبيهة باللون الّذي أمقته، وتمنيّت في سرّي أن ينتصر ضوؤه عليها ولو بعد حين، أسرعت واختبأت في زاوية إحدى الغرف الباردة كاتما أنفاسي ريثما تنتهي حلقة الذّكر، لست متأكّدا مما اعتراني فجعلني أهرب رغم تدرّبي الشّاق وتصميمي البارحة على النّجاح، انكمشت على نفسي كجنين ينتظر أن يولد في حياة أقلّ توترا وأكثر استقرارا، هكذا ولمدّة غير طويلة بقيت محاولا تهدئة ضربات قلبي المتسارعة، ومسح حبّات العرق النّاضحة من جبهتي رغم برودة الجّو.

نسيم عذب تسلّل حاملا أصوات المدّاحين عندما فُتح الباب فجأة دون طرق أو استئذان، استرقت النّظر لظلّ درويش يخطو نحوي، ناداني باسمي فميّزته من صوته، كان من المقرّبين لي في الفترة القصيرة الّتي قضيتها في المكان، لا أنكر أنّي لمست منه الأدب الجمّ في مبيتنا المشترك مع باقي الدّراويش الجدد، جلس القرفصاء قُبالتي فالتقت عيوننا، وكان صوته أقرب للهمس منه للجّهر:
- لا بأس، أعلم أنك منزعج ممّا فعلته، هوّن عليك فالجميع مدركٌ صعوبة السّير في البدايات.

جاهدت لأكتم صراخا مدويّا في داخلي يخبرني أنّي ما زلت تائها في مفازات المجهول ولم أضع قدمي على الطّريق الصحيح، عاود همسه، وعيناه تطلبان منّي جوابا:
- السّير على طريق الوصول وصول، أليس كذلك؟

ظلّ الصّمت جاثما كجواب بليغ أمام إعصار همسه الّذي حاول اقتلاع جذور حيرتي، فكيف عساي أقنع نفسي أنّ النّار والجّحيم يقبعان داخلنا، وأنّ الزّيت والماء من الممكن أن يجتمعا، وأنّ الطّرق بعدد أنفاس الخلائق!!

ثقل ما أنوي قوله جعلني متردّدا فاخترت ألّا أردّ، وارتسمت على وجهه ابتسامة متكلّفة، كأنّه يئس من محاولة إقناعي بالعدول عن قراري الّذي لم أبح به، إلّا أنّه لشدّة وضوحه بدا كأنّه مكتوب على جبيني يقرأه العالِم والجّاهل بل حتّى الأمّي قادر على فكّ شفراته، قراري بالخروج مجدّدا لأكتشف خلجانا لم يرسُ قاربي عندها بعد، إنّ في التّخلي تجلٍّ ما زلت أبحث عنه، بيد أنّ تفكيري في إفساد رقصة (سما) ليلة الإسراء والمعراج كان يدمي قلبي، إنّه التّفكير الزّائد الّذي سيرافقني لآخر أيّامي مسبّبا لي صداعا مزمنا، لا شكّ أنّ التّفكير العقلانيّ هو ما يميّزنا عن باقي الكائنات، لكنّه يستحيل لعنة مؤذية إذا زاد عن الحدّ المفترض، وفاض فأغرق حياة المرء بأفكار صاخبة لا تهدأ حتّى في أكثر الأوقات الّتي يحتاجها للرّاحة والسّكون، أحيانا أغبط الأشخاص الّذين يعيشون أعمارهم يوما بيوم، ومن يبقون في السّطح ولا يتكّبدون عناء النّزول والنّفاذ لأعماق الكون والحياة... آاااه كم هي فكرة الحياة الأبديّة مرعبة، فكيف إذن لا أفكّر في الطّريق وهو من يؤدّي بي إلى جنّة وارفة أو جحيم مقيم؟!

سنوات من الذّاكرة تتراكض في ذهني، الدّروب التي اجتزتها، المذاهب الّتي حاولت اعتناقها، كلّها لم تشبع فراغ روحي، فراغ يتمادى ويتمادى ليمضغني من الدّاخل... انتشلني صوت صرير الباب وهو يغلق من دوّامة التّفكير وخذلان الذّكريات، يبدو أنّ الدّرويش تركني بعد أن ألقى خطبة طويلة، لم يصلني منها سوى بضع همهمات عن حلول واتّحاد وقرب ومكاشفة، فلمّا رآني ساهما عنه وعن الوجود توارى بدماثة، معتقدا أنّي سأثوب إلى رشدي بالاختلاء بذاتي واستنطاق شعوري ربما، غير أنّي علقت أكثر وأكثر، فلا أنا حظيت براحة الجّاهلين، ولا تذوّقت لذّة العارفين!

هاجس ما دفعني باتّجاه تنفيذ قراري، ولم تزدني مرارة الوحدة إلّا إصرارا على الانسلاخ والثّورة بتأجّج رغبتي بالخروج من التّكية، فما كان من قدميّ إلّا الانصياع لهذه الرّغبة ومطاردة مجاهيل لا يمكن التنبّؤ بماهيّتها، فلا يضير التّائه إن أمعن في تيهه، كما لا يؤلم الميّت إن بالغت مدية الزّمن في تقطيع أوصاله، بتّ لا أكترث لسوء العواقب مهما كانت.

خلعت التنوّرة البيضاء رمز الكفن والفناء، ووجدت نفسي هائما على وجهي من غير وجهة أقصدها، لكنّ ذلك أهون من البقاء في مكان لا أنتمي له رغم بريق جماله، لقد كان مغريا من بعيد كوردة لم تتفتّح، جذبني غموضها وبراءة منظرها، متناسيا أنّ للورود أشواكا تدمي عند محاولة الإمساك بها، وأن أي بريق يختفي عند التوّغّل فيه ليغدو عاديّا أو دون ذلك أيضا، إنّما يكمن السّحر في البدايات.
شيء بداخلي أحسبه حدسا يرسل لي إشارات أحاول أن أحسن التقاطها، تخلخل المسافات وتقودني إلى درب مترب بعيدا عن صخب المدينة وضجيجها، قلّة سالكيه لم تثر استغرابي فهو طريق محفوف بالمكاره، ورغم صعوبة السّير فيه لم أتوقّف، بل واصلت ساعيا لمتنفّس أتوقّعه خصبا بعد مشقّة رحلتي، فما الجدب إلا مقدّمة لواحة غنّاء مخبوءة، ونمير زلال يروي تعطّشي للحقّ.

ولمّا كنت معتادا على التنقّل لم آبه بالإعياء الآخذ بإبطاء حركتي، أرفع قدما وأنزل أخرى في حركة رتيبة مثقلة لكنّها ثابتة ومتواصلة، وفي لحظة ما أوشكت على الاستسلام بتصدّع صخور صبري وتأزّم وحشتي، وقبل أن يعقد اليأس نيته على إخضاعي طردت أفكارا سوداويّة تمارس الدّوران هي الأخرى في فكري كخذروف لا يعرف التّوقّف ... شيئا فشيئا بدأ المكان حولي يتغيّر، وثوابت الكون تتبدّل، غرابة ما بعدها غرابة، أنوار تضحك، نسمات بطعم الفاكهة، تراب بملمس الحرير!!

إنّ الإرهاق الممزوج بالضّياع له سطوته، هي المنافي تؤرجحني كعادتها... قلت في نفسي، رحت أجيل النظر وأنا أواصل السّير، بدا الأمر حقيقيّا وكدت أنّ أصدّق هذا التّنافر اللّذيذ الّذي تتلقّفه حواسي الخمس بتخمة شعوريّة، توهجٌ بصريّ اكتسبته دون إشعار مسبق كشف لي عن رجل أسمر، أعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيّد البدن، له جلالة ومهابة تذلّان له الملوك، وتسخّران له السّباع في الأرض والطّير في السماء، تفصلني بضعة أمتار عنه حيث يعسكر، لم يفاجئني وجوده بقدر ما أجفلني مصباحه المضاء من غير زيت، وانبجاس غدير ماء بين يديه، وانفلات عقال الأشجار طوعا لأمره، ودوران الكواكب رهن إشارته!!

حرّكت شفتيّ لأسأل عنه هوّيته وعن الطّريق الصّحيح، لا ريب أنّه يعرفه، ولم أعثر على تفسير واضح لاختفاء صوتي بغتةً بل وتلاشيه في العدم، وظهرت إمارات الاستغراب بادية على ملامح وجهي المرهق، فلماذا تحتدّ حوّاسي بينما ينعقد لساني الذّلق على حين غرّة؟!
كانت الأسئلة تتخبّط في صدري ولا تجد لها منفذا مع ثقل لساني وعجزه، وعلى نحو غير متوّقع تكلّم الرّجل الجّليل بصوت مفعم بالأمان، وكلمات مشحونة بالحرص، كأنّه مطّلع على خلجات روحي:
«سيأتي زمان على النّاس... لا يميزون بين المخلص والمرتاب، ولا يعرفون الضّأن من الذّئاب، علماؤهم شرار خلق اللّه على وجه الأرض، لأنّهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف، وأيم اللّه إنّهم من أهل العدول والتحرّف، يبالغون في حبّ مخالفينا ويُضلّون شيعتنا وموالينا، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا من الرّشاء، وإن خذلوا عبدوا اللّه على الرّياء، ألا إنّهم قطّاع طريق المؤمنين والدّعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه».

كان لكلامه تأثير طاغٍ عليّ، فلم أتمالك نفسي واستبدّت بي رغبة بسؤاله عمّن سيأخذ بيدي ولا يكتفي بإراءتي الطّريق، فعزمت على ضخّ القوّة في صوتي، لكن ولسبب ما زلت أجهله تناثرت موجات صوتي في الهواء كطيور مهاجرة تحلّق في سماء بعيدة، ولم يكن الرّجل ينظر لي ليقرأ شفاهي، لكنّه وبقدرة عجيبة أزال حيرتي بقوله:
«ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهليّة، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجّاهلون، ويهلك فيها المبطلون ويكذب فيها الوقّاتون، ثمّ يخرج فكأنّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة».

علق ما قاله في وجداني، وسرت سكينة ناعمة في أوصالي، وتيقّنت أنّه الإمام العسكريّ الّذي قرأت عنه في رحلة بحثي المتواصلة عن النّهج السّويّ، وأنّه يعني بحديثه ابنَه المنتظر الموعود، كنت قد اقتربت كثيراً منه، وبدا لي أن مصافحته ممكنة بعد أن دلّني على الإمام والمرشد الحقّ في هذا الزّمان، مددت يدي لأصافحه وأشكره، غير أنّ الإعياء شلّ أعضائي فسقطت أرضا....

بعد برهة فتحت عينيّ واستويت جالسا فوجدتني افترش الطّريق المترب، لكنّي لم أجد الإمام، ولا حتّى المصباح والغدير، ربمّا لم يحدث ما حدث إلّا في مخيّلتي، أو أنّ هوّة شاسعة تقاس بالأزمنة لا بالفراسخ كانت تفصلني عنه!!

إلا أنّ صدى كلماته النديّة ما تزال تتردّد بين جنبات قلبي، بينما يغمرني شعاع القمر الدّافئ مبدّدا هالته الرماديّة، جارفا كلّ حيرة وتيه، وبكامل وعي وإدراك تتبّعت آثار أقدام حديثة رسمتْ طريقا مستقيما، ومنذ تلك اللّيلة لم يستطع الدّوران إلى حياتي سبيلا.