تلك الرائحة
ايران
أقرّب لقمتي إلى فمي بيدي المتعبة، ولكنني لا أستطيع وضعها فيه. نظرات عينيكِ تمنعني.
هل تظنين أنني صاحب هذه الحديقة الكبيرة التي أعيش فيها؟ أنا مجرد عبد اشتراني صاحب هذه الحديقة من سوق النخاسة وأحضرني إلى هنا بجسدي العاري المليء بالجراح.. هو في الداخل الآن يستظلّ الأشجار التي زرعتها وربيتها، وكل ثمارها تعود إليه لا إليّ، إلّا قليلًا منها، مثل هذه التمرات التي أريد أن آكلها مع كسرة الخبز الجاف الذي لو لم أغسله بالماء لكسّر أسناني. تريدين أن تجربي؟ حسنًا.. خذي.. سأترك لكِ قطعة من الخبز، وآكل قطعة أُخرى وأَطحنها بأسناني.
لم أكن أعلم أنّ الكلاب أيضًا تأكل الخبز..
يبدو أنك أنجبتِ اليوم. كم تبدين ضعيفة. أين ترکتِ جراءك؟ داخل الحديقة؟ كيف لم أرهُم وأنا أعمل منذ الصباح هنا لأشيّد جدارًا للحديقة بالطين والأحجار، والآن أريد أن آكل قليلًا، فلا تسمح لي عيناكِ المتعبتان.
هل تظنيني غنيًّا؟ لو أعطيتك طعامي كلّه فسأظل جائعًا بقية النهار، وأنا أعمل حتى المغرب، فكيف أستطيع العمل وأنا جائع؟ تنظرين إليّ بعينيكِ المتعبتين، فأرى كل مآسي العالم فيهما. لا أستطيع أن آكل.
أرمي إليكِ قطعة أخرى وأقول: «اذهبي ... ليس لديّ المزيد».. تهجمين على كسرة الخبز ولا أعلم لماذا.. أشعر بأنني أتناول افضل الأطعمة في العالم، فهل أتناول طعامي مع الملوك والحكام؟ لا.. تشاركني كلبة جائعة ربما أنجبت قبل ساعة.. أبتسم وأقول لكِ لا بأس.. أنا أيضًا لا أستطيع أن أجلس مع الكبار. وهل سأجلس على مائدة معاوية يومًا وآكل من لحم الطيور والأغنام؟
أضحك بقوة فتخافين وترجعين قدمًا إلى الوراء.. أبتلع ضحكتي وأقول: لا.. لا أريد أن آكل في قصر معاوية ولا أريد لحم طيوره وأغنامه.. تكفيني كسرة الخبز التي أتشاركها معكِ أنتِ.. ثم أخفض صوتي و أقول: أنا عبد أسود.. عبدٌ منذ فتحت عيني على الحياة.. مثل والدي.. مثل جدي.. لم أرَ يومًا علي بن أبي طالب ولا أولاده ولكنني أحبّ الحسن ، كما كنت أحب والده علي.. لماذا أشرح كل هذا لكِ؟ وهل تفهم كلبة معنى كلامي؟ ولكن إن لم أخبركِ أنتِ فلمن أقول؟ أَأُخبر سيدي صاحب الحديقة؟ سيقول إنني لا يجب أن أفكر في مثل هذه الأمور. سيقول: «فكر بتشييد الجدار المتداعي فقط»، وأنا أفكر بتشييد الجدار وأفكر بعلي وبالحسن أيضًا. كنت أتابع أخبار الحرب، وكنت أسمع من سيدي كم أزعجوا عليًّا. كان يحدّث ضيوفه عن حرب صفين ولم يكن يعلم أنني عندما أخدم الضيوف وأسكب الماء على أيديهم من الإبريق النحاسي بعد الطعام، أتباطأ عمدًا كي أسمع المزيد من أخبار علي وأولاده .. أُقرب كسرة الخبز من فمي.. ألا تريدين أن تتركيني؟ يبدو أنكِ تريدين اليوم أن تغنمي كل طعامي. ألا ترحميني؟ أنا جائع..
أرمي إليكِ بقية الخبز.. وأقول لنفسي: لا بأس.. سآكل قليلاً من التمر المتبقي فوق النخيل. الأمر ليس صعبًا. عليّ فقط أن أتسلق إلى رأس نخلة الحلاوي. أقول هذه الجملة وأضحك وأنتِ لا تسمعين. تأكلين.. وأنا أشاهدكِ وأشعر بأنني أنا من يأكل لا كلبةً مريضةً جائعة. أشبع ثم أكمل لكِ بقية القصة.
أعرف أن لا أحد يسمعني.. لكنني أحب الحسن .. بعد خبر صلحه بكيت كثيرًا. تحت نخلة الحلاوي.. تحت ضوء الشمس.. هل كان يعلم عندما كان وحيدًا وغريبًا بعد أن تركه الجميع - كما قال سيدي - أن في هذه الحديقة البعيدة عبدٌ أسود يحبه وطوال اليوم في خياله يقاتل معاويه وكل أعدائه؟ ربما لم يكن يعلم.. ومن يهتمّ بعبدٍ أسود حافي القدمين. سمعت خبر صُلحه عندما عاد سيدي من الحرب حزينًا، وفي دقائق كان الجميع قد سمعوا الخبر.. هل حزن الجميع مثلي؟ لماذا كنت وحدي من يبكي بصمت؟
أنا جائع، وأنتِ تأكلين كل طعامي.. لا بأس.. كيف يمكن أن يحب أحد الحسن بن علي ويأكل أمام عيون كلبة جائعة لا ترفع عينيها المتعبتين عنه؟
أرفع رأسي فأرى رجلًا يقترب.. لا أعرفه.. ترى من يكون؟ لماذا علت دقات قلبي كأنني أعرفه منذ زمن؟ من دون إرادة قمت من مكاني. لا أستطيع النظر في عينيه. بسمته تخترق عمق قلبي. أحب أن أتأمله ولكنني لا أستطيع حتى أن أرفع رأسي. أشمّ منه رائحة العطر. كم هي ملابسه نظيفة، مع أنها بسيطة وليست غالية. حتمًا هو من أصدقاء سيدي.. حتمًا هو أيضًا يحبّ الحسن بن علي.. مثل سيدي.. مثلي.. دائمًا أشعر أن الذين يحبون الحسن بن علي يشبهونه في الوقار.. في الملابس النظيفة ورائحة العطر. أنا أيضًا أحبّه ولكن رائحتي ليست جميلة .
أنا لست جميلاً، ولا رائحتي.. ولكنني أحبّ الحسن.. لا أعرف لماذا تهجم الدموع على عيني عندما أردد هذه الكلمة. تدمع عيني. يسألني الرجل:
- لماذا تقاسمت طعامك مع هذه الكلبة؟
أشرت إليكِ بينما تأكلين بقيه الخبز..
- لأنها كانت جائعة.. كيف كنت أستطيع أن آكل أمام عينيها؟
ابتسم الرجل.. هذه المرة نظرت إليه. كم كنت أحب أن أبتسم معه. لا أشكّ في أنه يحبّ الحسن. لا أشكّ في أنه لا يحبّ معاوية.
سألني: من أنت؟ أخبرته بأنني عبد الحديقة. لم أقل له كيف أصبحت عبدًا، وكيف باعوني يومًا في سوق النخاسة، وهل كان عليّ أن أخبره؟ كلا.. فمن يهتمّ بقصص العبيد؟ سأل عن صاحب الحديقة. أخبرته عن سيدي. ابتسم وقال:
- انتظر هنا.
دخل الحديقة وأنا يعتريني القلق. ماذا حدث؟ هل أخطأت في شيء؟ هل وضعت قدمي في بستانه من دون أن أنتبه عندما كنت آخذ الأحجار لأبني جدار الحديقة؟ لا.. لم أفعل.. أصلًا من هو؟ ماذا يريد من سيدي؟ لماذا قال انتظرني؟
أخاف أن يضربني سيدي ويحرمني طعام يوم غد.. ولكنني جائع وأنتِ أكلتِ طعامي، والآن من دون أن تكترثي لي تذهبين لترضعي جراءك الصغيرة. بقيت وحدي وأنتِ تركتني.. لا تذهبي.. ابقي هناك. سأقول لسيدي إنني لم أفعل شيئًا. كنت آكل طعامي في ظل الشجرة. وهذه الكلبة شاهدة.. وهل يمكن أن يكون أي كلب في العالم شاهدًا لعبد أسود جائع؟
يخرج الرجل من الحديقة، ومعه سيدي. يركب حصانه وينظر إليّ ويبتسم، فتمحو بسمته كل خوفي.
يبتعد بالفرس ولا أستطيع أن أرفع عيني عنه.. كأنني أريد أن أوقفه وأقول له أنا اشم منك رائحة الحسن بن علي.. أنا لا أشكّ في أنك تحبّ الحسن. أنا لم أره.. ولكنني أحبه.. ولكنني أخاف.. أخاف من سيدي الذي يشاهد مثلي ذهابه بصمت.
يبتعد الرجل على فرسه، وأنا ما زلت واقفًا على قدمي. هل يريد صاحبي أن يضربني؟ ولكنني لم أخطئ. أنا جائع. أصلح جدار الحديقة تحت حرارة الشمس..
يبتسم سيدي ويقول:
- من هذه اللحظة أنت حرّ ولم تعد عبدًا.. وهذه الحديقة حديقتك..
أتجمد في مكاني. لا أستطيع أن أتنفس. ماذا حدث؟ هل يمزح سيدي؟ هو لا يمزح معي عادةً..
لم ينتظر سؤالي..
- ذلك الرجل كان الحسن بن علي.. هو من حررك واشترى لك هذه الحديقة، لأنك كنت تقسم كسرة خبزك مع تلك الكلبة المريضة .
يبتسم سيدي.. لا أستطيع أن أتمالك نفسي. أضع يدي المتعبة والمتسخة على وجهي.. أبكي من كل قلبي وأنا لم أزل أشعر أنني أشم تلك الرائحة القوية، وأشعر أنها رائحته. رائحة الحسن بن علي..