قصص

أحد عشر كوكباً

أحد عشر كوكباً

مهـــــــدي الخفاجــــــــــــــــي

2026-06-17

لاحت رؤوس البنادق تلمع كأنها أياد بيضاء تتضرع إلى السماء طالبة النصر. ليس ثمة في هذا المكان أثر أو صوت ما سوى أصوات وقع أقدام المقاتلين، وحفيف الثياب المضمخة بتراب الوطن وعبق الأُمهات، وهمسات أذكار وصلوات تصعد إلى أعالي السماء في ركب ملائكي بهيج.
انبلج نور الصباح مع انطلاق المقاتلين صوب قضاء بلد. أزاحت الشمس بأصابعها الذهبية سحب الغيوم الداكنة وألقت بأشعتها الدافئة على وجه الأرض فأنعكس نورها في عيون ترمي ببصرها بعيداً. هناك نحو ارض مباركة يقطنها سيد جليل من ذرية خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) الطريق طويل ومليء بالصعاب لكن لا شيء أغلى من الأرض والمقدسات. الأنفاس تتصاعد ببطء والأقدام تبحث عن موطئ قبل ان ترتكز على الأرض فالمكان شبه خال. بعض المنازل سوّيت بالأرض، وبعضها مهجورة تسكنها الوحشة.
لقد شارفنا على الوصول. همس وليد لرفاقه.
حدق حسن في الأفق. المنازل مهجورة صامتة. فلا همس ولا حركة سوى خيالاتهم، كانوا أحد عشر مقاتلاً. وصلوا وقت الغروب الى موقع قريب من موقع تنفيذ المهمة. دخلوا منزلاً شرعت ابوابه للرياح. حولته الأيام الى هيكل رث. اناخوا الرحال هناك. بعضهم اخذ غفوة قصيرة من جلوس، وبعضهم لاذ بالصلاة واخذ يرتل ما حفظه من القرآن الكريم.
وقف وليد عند الباب.
تبدأ المهمة فجر الغد إن شاء الله.
قال ذلك ونظر إليهم فرداً فرداً محاولاً ان يحفظ صور رفاق السلاح في ذاكرته. فربما لن يراهم بعد فجر الغد. تفحص هيئاتهم بدقة وتمعن، منهم من خط المشيب بعض خصل شعره الأسود، ومنهم من كان في اوج الرجولة، ومنهم من كان في عمر الزهور. كانوا أحد عشر كوكباً يضيئون سماء الوطن وأرضه في زمن حالك الظلمة. سرعان ما حل الليل، وهيمن التعب على معظم المقاتلين، فاستسلموا بسكينة للنوم، بانتظار انبلاج الفجر. المهمة تستهدف تحرير منطقة الجمعية الثانية التي يسيطر عليها الارهابيون، واجلاء المدنيين الذين يتخذهم التنظيم الارهابي دروعاً بشرية الى منطقة آمنة. مر الوقت سريعاً، وحسن يراقب عبر النافذة الأجواء في الخارج. لحظات ويطلع الفجر، وتدوس الاقدام رؤوس مرتزقة داعش الإرهابي. تذكر هدفه الأسمى «الشهادة» وما أعذبها من كلمة. ترك الدنيا وملذاتها من أجل تحقيقها. قبل صدور فتوى المرجعية العليا بالدفاع عن الأرض والمقدسات كان حسن يتابع بقلق ما يتناقله الناس ووسائل الاعلام من اخبار عن التهديد الذي يتعرض له العراق جراء ظهور جماعات ارهابية في المناطق التي تضعف فيها سلطة الدولة. قبيل صدور الفتوى المباركة بأيام فاتحته والدته العجوز بموضوع الزواج، وكونه ذا دين وخلق ويجب عليه ان يكمل نصف دينه، وكان رده هو التريث في هذه الخطوة.
شدَّ حسن يده على مقبض البندقية مغالباً النعاس. نظر في البعيد محاولاً رصد أي تحرك مشبوه. الوقت بعد منتصف الليل ويصعب الرؤية في هذا الظلام. حدق طويلاً. شاهد ظلالاً تتحرك. وضع اصبعه على الزناد. جرّب أن يتبين شخوصهم ليتأكد إن كانوا من المدنيين الهاربين من مناطق القتال. انتظر حتى اقتربوا قليلاً. فجأة برزت امامه خنازير متوحشة تخرج من بين المنازل. كانت تتقدم ببطء. اقتربوا من المنزل. توقفت لبرهة. تفحصت شيئاً ما قرب الجدار. كانت تنهشه بأنيابها. حاول أن يتبين ما هو، تمعن جيداً. كانت تنهش أجساد اخوته المقاتلين! أراد ان يطلق النار عليها، لكن السلاح لم يكن معه. ارتبك! نظر الى يديه. تعجب! فلم يكن على نفس شكله وهيئته! كان طيفاً بزيّ مقاتل. اندهش! ما هذه الهيئة؟! ماذا حدث؟! جرب أن يصرخ بها! لكنها لم تسمعه. هاله المشهد وهو يتابع مدهوشاً تلك الخنازير وهي تنهش بالأجساد الطاهرة. فجأة اخترق سمعه صوت في البعيد، صوت يعرفه جيداً، لشدَّ ما سمعه وهو يرتل الدعاء. كان صوت تمار يرتفع شيئاً فشيئاً. كان يناديه بالاسم الذي طالما كان يفضل ان يناديه رفاقه به.
أبو علي.. أبو علي.. لقد حلَّ وقت الصلاة.
افاق حسن مرتبكاً فقد غلبه النعاس على حين غرَّه. نهض وذكر الله وحمده كثيراً ثم توضئ ليؤدي صلاة الفجر. أدى المقاتلون صلاتهم جماعةً وختموها بالدعاء «اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين (عليه السلام) في الدنيا والاخرة». تذكر شيئاً من بشاعة ذلك الكابوس، وتحدث لوليد عنه. تسائل. كيف لبشر ان يبلغ بسلوكه العدواني حد التوحش؟ كيف له ان يتبع شهواته ونزواته حد التمتع بارتكاب الجرائم أو الإقدام على أفعال بعيدة عن السلوك الإنساني!. أتم المقاتلون صلاتهم. رفع وليد يديه بخضوع الى السماء، ونثر دعاءه لرفقائه المقاتلين لحفظهم وسلامتهم. التفت حوله. كانت عيناه تلاحق اخوته المقاتلين وهم يحملون أسلحتهم ويتهيؤون للتحرك. عيناه التي لطالما لازمت اخوته الشهداء الثلاثة، ونظراته التي يعلوها الفخر وهو يراهم يقدمون الخدمة للزائرين في طريق أبي الاحرار الامام الحسين (عليه السلام). الطريق الذي ختموا عليه حياتهم بتفجير إرهابي مزدوج بسيارة مفخخة وحزام ناسف. كان وليد عائداً الى الموكب بالمؤونة التي جلبها من مخازن أحد الموالين محملاً أكياس الرز والسكر بعربته الخشبية عندما رأى أعمدة الدخان والنار تتصاعد من سرادق الخدمة الحسينية. كانت مشاهد الدم والاشلاء صادمة لوليد. في المستشفى لم يستطع التعرف إلا على اثنين من اخوته. قال له شهود عيان من خدمة المواكب أنّ أخاه الأصغر أحتضن الإرهابي الانتحاري محاولاً منعه من تفجير نفسه. لكن اللعين استطاع الوصول للصاعق بحركة مباغته وفجر نفسه. رغم تلك الفاجعة لم تنثني عزيمة وليد عن مواصلة الخدمة في طريق الامام الحسين (عليه السلام) وفي أشدّ الأوقات وأصعبها. بل حتى في اوقات كان فيه القتل والخراب عرفاً سائداً في مثلث الموت.
جمع المقاتلون كل عتادهم وقبل خروجهم قرر وليد أن يترك رسالة لأصحاب المنزل يطلب منهم العذر والسماح لدخولهم بلا استئذان، واستخدام بعض حاجيات المنزل، فكتب لهم رسالة على ورقة من دفتر ملاحظاته الصغير الذي اعطته اياه ابنته الوحيدة زينب ذات الحادية عشر ربيعاً، واقتطعها ليعلقها على جدار الغرفة. زينب التي تحمل من الفطنة والذكاء ما يفوق عمرها الصغير. عندما كانت بعمر الثمانية أعوام كانت تكتب امنياتها في دفترها الصغير. لم تكن ترهق والدها اطلاقاً بالطلبات فقد تعلمت منه ومن والدتها الإيثار والزهد، وعلى الرغم من ضيق الحال لم يكن وليد يرد لها طلباً. كان يقول جملته المعتادة عندما كان يتحايل على زينب ليجلب لها ما تريد وهي -كما قالت لها أمها- تخبي احتياجاتها عنه "بنتي العاقلة تطلب وتتمنى".
كسر الصمت أصوات التكبير من مسجد مهدم عند ناصية الشارع، فظن المقاتلون أنّهم تعجلوا بمناجاة الخالق، لكن الصوت كان مصحوباً بأصوات ازيز الرصاص وزعيق الغربان. أطل صادق برأسه من النافذة ليستطلع المكان، وصرخ:
نحن نتعرض لهجوم!
قطع سكون المنزل أصوات دوي القذائف وازيز الرصاص. وارتفعت أعمدة الدخان الأسود في السماء. مرت ساعة من تبادل النيران استخدمت فيها أسلحة متنوعة. سقط عدد كبير من القتلى في صفوف الإرهابيين الدواعش، وهوى مجموعة من المقاتلين الابطال، حتى سكتت فوهات البنادق، ونفد العتاد في صفوف المقاتلين. نظر وليد بين سحب الدخان والغبار ليتبين من استشهد من اخوته المقاتلين. شاهد تمار يحتضن مقاتلًا يلفظ أنفاسه الأخيرة. صرخ علي «يا حسين»، فردد خلفه من بقي على قيد الحياة «عليك مني السلام يا أبا عبد الله». استطاع مقاتل جريح ان يتحرك رغم اصابته. اقترب من جريحان آخران في باحة المنزل وتفحص اصابتهما وكانت بليغة جداً. انبثق أنين خافت من الغرفة المجاورة سمعه وليد وزحف نحوه حتى وصل لمصدره. وجد مقاتلًا شاباً مصاباً. مسح الدم عن وجهه، لكن أنينه انقطع بعد ثوانٍ. لمح حركة تحت ركام جدار الغرفة الذي هدمته قذيفة RBG، وسمع همساً:
وليد أنقذ اخوتنا.
احتضن حسن مقاتلًا مصاباً. حاول أن يسقيه الماء، لكنه كان متعجلاً للقاء سيد الشهداء . جرب أن يطلب المساندة لكن الأوان كان قد فات، فقد حاصر المنزل عدد كبير من الإرهابيين. تجمعت سحب الغيوم المكفهرة، وخيم الظلام على حين غرَّة. أيقظ سكون المكان وقع اقدام ثقيلة. تظاهر علي بالقوة فحمل بندقيته وحاول الزحف باتجاه الباب، لكن الإصابة كانت قد افقدته القدرة على الحركة. بحث وليد وسط الظلام عن عتاد اضافي. فجأة تسمرت عيناه في عيني قادم. عينان غريبتان حمراوان تقتدحان شرراً وشراً، واصواتٌ تشبه قباع الخنازير جعلت إصبع وليد يتجمد على الزناد. تهيأ للمواجهة الأخيرة. حتماً سيطلق آخر رصاصة بوجه من يقترب من اخوته المقاتلين. الخطوات تقترب وعينا وليد تتابع.
انه خنزير متعطش للدماء.
فكر وليد. وتذكر ذلك الكابوس الذي حدثه عنه حسن. وقف ذلك الخنزير على جثمان أحد المقاتلين. قَلَّبَه. كان المشهد يشبه ذلك الكابوس تماماً. دنى من وليد قليلاً حتى أصبح في مرمى بندقيته، فأطلق عليه الرصاصة الأخيرة، واسقطه قتيلاً. اجتمعت الخنازير بسرعة، وساد ظلام حالك. مرّت ساعة من الوقت حتى أيقظ سكون المكان صرخة وأنين. فتح وليد عيناه، فبدا كل شيء حوله اسودٌ قاتم. التفت حوله بصعوبة. وجد علي جاثياً بقربه. بحث وسط الظلمة عن بقية اخوته المقاتلين. شاهدهم يجلسون أمامه ويقف الدواعش خلفهم. لمع البرق وعصفت رياح دافئة. امطرت السماء دموعاً ساخنة. سحب الدواعش سكاكينهم واحتزوا رؤوس المقاتلين، واحرقوا جثامينهم بعدما مثلوا بها.
بث الارهابيون شريط عملية اعدام المقاتلين. بعد اسبوعين تحرر قضاء بلد بالكامل من هيمنة الدواعش، وتوجه العديد من المؤمنين لزيارة ذلك المكان الذي ظل شاهداً على استبسال أولئك الابطال.
يقول صادق لإخوته المقاتلين وهم يلتفون حوله:
مرت ليلتان وانا ملقىً تحت ركام الجدار. دخلت قواتنا الباسلة واخرجتني من ذلك المكان، وبعد شهر تماثلت للشفاء، وعدت لذلك المنزل الخرب مرة أخرى. كانت أعمدة النور تتصاعد منه ليلاً. شاهد الجميع غزارة الثقوب في جدرانه، واستنشق الروائح الجميلة التي كانت تنبعث منه. رائحة دماء مقاتلينا الزكية لم تختفي من ذلك المنزل.