قصص

حبال الشّمس والضّوء الشّهيد

حبال الشّمس  والضّوء الشّهيد

فاطمة مهدي البـــزّال

2026-06-29

مع حبالِ الشّمس ضَرب موعِدًا، فقد ألِفَها صغيرًا حتّى لوّحَتْ سحنتَهُ وأعطتْه من بريقِها ما يُناسبُ لونَ عينيْه العسليّتين، فكان بريقُهما مؤشّرًا إلى ما سيأتي. في التحاقِه الأخير، على عجل، جمعَ مصطفى ما تيسّرَ في حقيبتهِ مؤذنًا بالرّحيل، وفي فوضى حروفهِ المُبعثرة، جمعَ شَتاتَ أفكارهِ ونادى: « أمّي أين أنتِ؟» ازدادَ خفقانُ قلبهِ، فهو مُدلَّلها وعلاقةٌ قويّةٌ تربطُه بها، يخافُ عليها، يُدثّرُها بكثيرٍ من الحبِّ والطّاعة والاحترام. وكعادة الأمّهاتِ في توديعِ أبنائهنَّ، رآها تقفُ وقدْ أسندتْ ظهرَها إلى الباب، بعباءةٍ تُجلِّلُها فتمنحُها مزيدًا من الهيبةِ والوقار، تُناجي ربّها، وكأنّها في خلوةٍ مع معشوقِها الأبديِّ، في عالمِها الماورائيّ، مُحتجبةً عن عالم المادّة. ولوهلةٍ لم تنتبهْ لقدومِه نحوها، فقد كان قلبُها مُنشغلًا بالمُناجاةِ، وعيناها تكتبان بالدّمع رسالةً إلى سيّد الشّهداء، تمتمتْ بحروفٍ لا تكادُ تُسمع، رفعتْ يديها وأسدلتْ رأسَها في انعطافةٍ تُحاكي وضعيّة الجنينِ في رحم أمّه: «سيدي يا ابن الزّهراء مصطفى بأمانتك». إنّه ذلك التّعلّق الوجدانيّ الذي يمنحُ النّفوسَ مزيدًا من التّسليم والرضا. اقتربَ مصطفى من أمّه، لم يشأ قطعَ مناجاتِها، ولكنّه الوقتُ الذي لا يُمهل، وكأنّنا في سباقٍ أبديٍّ معه. طوّقَها بذراعيْه وبرفق همسَ في أذنِها: «لا تقلقي سأعودُ بإذن الله». قبّل يديها، وشمَّ عبقَ الزّمن المُختزنِ في تجاعيدِها، احتضنَها وكأنّه يعلمُ في حدْسهِ أنّ هذا الحُضنَ سيغدو غريبًا كغربةِ قبرهِ المخفيِّ في حدودِ الوطن. كيف لا، وهو آخر الشّمعاتِ الّتي أضاءتْ سماءَ هذا البيت، وأسرعَهنَّ انطفاء.
مضى على عجلٍ، كانت سيّاراتُ الرّتلِ تنهبُ الأرض، فلا مجالَ للسّير ببطء، لأنَّ عيونَ القنّاصين تتربّص، وتستعدّ للضَّغط على الزّناد عندَ أيِّ خطأ يرتكبهُ السّائرون على الدّرب الطّويل. إنّها «الكرمة» في الفلوجة، حيث شُذّاذ الآفاق يستكملون مُخطَّطاتِهم في القتل والتّرهيب، وتهجيرِ الآمنينَ وترويعِهم. زرعوا حول كلّ بيتٍ سياجًا يسحقُ ما ظلّ من ابتسامةٍ مطويّةٍ على ألفِ آه وآه. ورتّبوا جنائزَ للضّوءِ تعبرُ قنطرةَ الموتِ كلَّ صباح. وكان الفرسانُ يتسابقون إلى الميدان، على قلقٍ يُسابقون الرّيح، تُطوى المسافاتُ على حدِّ عبورِهم، يذرفونَ ما تبقّى من ماء العيونِ كُرمى لشيخٍ خضيب، أو لعذراءَ تناهشتْها ضِباع الليل فأعلنتْ دمها ونقشتهُ عند أقرب صخرة علّه يستثيرُ ما ضاع من ضمير، ويستر ما ظلّ من حياء.
السّاعة تؤشّر إلى الثانية بعد منتصف الليل. وفي هدأة ليلٍ ربيعيٍّ ما لبث أن تغيّر فجأةً، أزيز الرّصاص يخرقُ السّكون المُنتهَكةَ حُرمتُه، صوت انفجاراتٍ قويّةٍ تقترب، إنّها ساعة الصّفر. أسراب من خفافيش اللّيل في مواجهةٍ ضارية مع وحدةٍ من المُدافعين المُنتشرين تلبية للنداء: نداء الحسين (عليه السلام) يوم العاشر«هل من ناصر ينصرنا؟» كان وحيدًا، شعّت دماؤه مؤشّرةً الطريق لكلِّ حرٍّ شريف. واليوم، ومع تظاهر الزّمان، وتكالبِ الأمم علينا، لم يسمحِ الغيارى ببقاء الحسين وحيدًا، هبّوا شيبًا وشُبّانا والعِمّةُ أمامهم تلبية للفتوى المُقدّسة، مُعلنين دمهم، شاحذين همَمهم، مُدافعين مُستبسلين، يحملون الرّاية - راية أبي الفضل العباس (عليه السلام) - تُطاح في سبيلها الأيدي والهامات وتبقى مُنتصبةً، ممنوعٌ سقوطُها وليوثٌ كأمثال مصطفى مكلَّفون حمايتَها.
كانت حدّة الاشتباكات تعلو. إنّها الحرب، حامية الوطيس، انخرط فيها مصطفى لأنّه كان يحلمُ بمستقبلٍ جميل، لعراقٍ موحّدٍ، يُبنى بسواعدَ سمراءَ لا تعرف اللونَ الرماديّ المتدرّج صعودًا وهبوطًا فلا يبلغُ الأبيضَ ولا يتجاوز الأسود. أجّل عرسَه إلى ما بعدَ عرسِ التّحرير، فأنّى لروحه المُتوثّبة أن تهدأ وهو يرى اجتياح «المغول/ الدواعش» وما يحملونه من فكرٍ إرهابيٍّ وظلاميّ؟ وأنّى لغيرتهِ المُتوقّدة أن يخفّ لهيبُها وهو يرى المُخدّراتِ يُسَقْن أُسارى، يُعرضْن في الأسواق إحياءً للجاهليّة الأولى ؟ إنّهم شُذّاذ الآفاق الذين عاثوا في الأرض فسادًا، جُمعوا من كلِّ حدْبٍ وصوْب، دينهُم التّكفير، وعقيدتُهم الولوغُ في دم الأبرياء، نشأوا في حضنِ الغرب ليكونوا أدواتَهم التنفيذيّةَ على أرض الواقع. الدّين منهم براء، والإنسانيّة على جفاءٍ من سلوكيّاتهم المُنحرفة.
اندفع مصطفى ببنْيتهِ القوية، وجسمهِ الممشوق، كاللّيث الهصور، شريطُ الأحداث المأسويّة التي قامت بها العصاباتُ الإجراميّة يمرُّ ببطءٍ يجعلُه يتخلى عن هدوئه، يُستثارُ حتّى أقصى خليّةٍ يبلغُها دمُه عند التوثّبِ والفوران. كان الهجومُ عنيفًا، استبسلَ فيه الجميع، استُشهدَ البعضُ وأُصيبَ مصطفى في قدمهِ اليُسرى، حاول التّماسك، عضّ على جراحِه ظنًّا منه أنّ الإصابة لم تكنْ بليغة، إلّا أنّ الألم أجبرهُ على الكشف عن جرحهِ فإذا به يرى جرحًا فاغرًا فاه وعظام قدمهِ مُهشّمة ممّا سيحول بينه وبين الاستمرار في القتال.
وفي غمرةِ الأحداث، جاء الأمر بالانسحاب التكتيكيِّ حفاظًا على من تبقّى أمام هذا الهجوم العنيف. ريثما يتمُّ التّجهّز بشكلٍ أفضل وإعادة المُحاولة، فالحربُ صولاتٌ وجولاتٌ والكلمة في النهاية للمنتصر. ألحَّ عليه الرّفاق مُحاولين سحبهُ وإخراجه من منطقة العمليات، إلّا أنّه أبى أن يعيقَ حركتَهم، وفضّل البقاء مُحتميًا ببيتٍ هجرهُ أصحابُهُ، مُنتظرًا ما سيأتي.
كانت لحظاتٌ مشوبة بالحذر، لم ينجلِ الصّبحُ إلا والغرابيبُ السّود قد اجتاحوا المنطقة، أرادوا تقطيعَ أوصال المدينة ففخخوا القنطرةَ التي تربطُها بأخواتها. بقي مصطفى وحيدًا، يتأمّل جدران ذلك البيت الذي غادرَه أصحابه على عجل، ففي هذه الزاوية ألعاب طفلٍ مبعثرة يبدو أنّه قد عبث بها طويلًا. «لا شكّ أنّه طفلٌ شقيٌّ»، تبسّم مصطفى، وهو يرى آثار تفكيك الألعاب إلى أجزاء، هنا المُحرّك، وهناك السّائق، وبجانبهما بعض العساكر. تُرى ما هي اللعبة التي أراد تجسيدها هذا الطّفل؟ هل كان يظنُّ الحرب لعبة فداهمته وأيقن بوجودها؟ أراد بعض الماء، فقد جفّ حلقُهُ ولكنّه لم يقع إلا على بعض الرز «التّمّن» الذي أُطفئت تحته النّار على عجل وقبل أوان نضوجه. يبدو أنّ أصحابه لم يُمهَلوا للتّنعّم بآخر وجبة لهم قبل مُغادرة المنزل.
عاد مصطفى خاليَ الوِفاض من جولته، ضمّد جرحه بقطعة قماش مُحاولًا تخفيف النّزف من قدمه، فقد أعياه التّعب وشدّة النّزف حتّى كاد أن يُغمى عليه، ولكنّه استجمع قواه، تناول هاتفه واتّصل بأخيه، ما من مُجيب. «ومن يدرِ أين سيكون رائد في هذا الوقت، وفي أيّ واجبٍ جهاديّ، وما هي ظروفه ؟» تمتم مصطفى.
مرّت ساعات الفجر ببطء شديد على مصطفى، بين محاولات الاتصال بـ«رائد» من جهة، والألم الذي لا يقوى على احتماله من جهة أخرى. لمعت في رأسه فكرة كتابة رسالة لأخيه على هاتفه الخلوي: «أخي وقرّة عيني، بعد التّحية والسّلام، أُنبئكَ بأننّي قد أُصبت إصابة بالغة في قدمي اليُسرى، وها أنا أقبع متخفّيًا في منزل شبه مهجور مطليّ باللّون الأحمر، ممّا يجعله علامة فارقة بين البيوت المُجاورة، أتدثّر عباءة اللّيل علّه يُبعد العيون ولو قليلا، لا أزالُ وحيدًا، لكننّي أسمع وقع الخُطى على مقربةٍ مني، يبدو أنّهم قد سيطروا على المنطقة وفخخوا الطّرق المؤديّة إليها، وها أنا أجثو وأعدّ الخُطى جيئة وذهابا، غير مُتيقّنٍ في أي لحظةٍ سينقضّون عليّ ويكتشفون أمري. أمّا أنا فقد سلّمتُ أمري إلى خالقي، أنتظرُ أن يرزقني إحدى الحُسنيين، إمّا النّصر أو الشّهادة، فإن قرأت رسالتي، وكان بي رمق، فلا تثورنَّ ولا تأخذنّك الحميّة والعصبيّة، حافظ على رباطة جأشك، وتروَّ، لأنّ المنطقة خطرة وفيها الكثير من الكمائن فاحذر، والسلام».
لاحتْ طلائع صُبحٍ جديد، ومصطفى يُعاني من نزفٍ شديد، ولا يوجد ما يسدُّ به رمقهُ ويصلبُ جسدَه المُتهالك. وبينما هو على هذه الحال، رنَّ الهاتف. إنّه رائد، أنيس الرّوح وسلوى الفؤاد، لطالما أودعه أسراره واستظلّ تحت جناحيْه الوارفيْن. تبادلا الحديث ووقْع نبضيْهما يكاد يُسمع، حديثٌ قلق، مشوبٌ بالحذر، كلاهما حلّق بروحه نحو الآخر، إنّه الانعتاق الذي لا يرتهن لزمانٍ أو مكان، انعتاق الرّوح من سطوة الجسد الطّينيّ إلى حيثُ يؤشّر القلب.
- سأوافيك حالًا فلا تقلق. كنْ حذرًا يا أخي، خفّف إضاءة الهاتف كي لا ينفد الشّحن، وتجاهل الاتصالات، فالجميع يريد أن يطمئن عليك، وابقَ مُستعدًا لأي طارئٍ قد يحصل، لقّم سلاحك، واخلع الدّرع كي لا يزيد من حملِك وتعبك. ردّ رائد.
أغلق مصطفى الاتصال، ولكن بعد بُرهةٍ، وفي ظلام الشّاشة سطعتْ أحرفٌ ثلاث: أمّي. «ماذا سأقول لها إن سألتني عن حالي وأنا لم أعتدِ الكذب عليها؟ ستكشفني لأنني لا أستطيع الصّمود أمام اختبارها طويلا». تمتم مصطفى، وهو يلوي رقبته وقد داخَله حزنٌ شديد على حالها، لكنّه كان مستأنسًا بسماع رنين الهاتف ورؤية أحرف اسمها تلتمع أمامه. وكأنه يحسّ بوجودها قربه وبدفء أنفاسها، تمسح عنه العناء، وتضمّد روحه الهائمة. وبالتفاتة سريعة حمل هاتفه، ضمّه إلى صدره مُغمضًا عينيْه، أخذ نفسًا عميقًا، وردّ على اتّصالها: «يمه، أروحلِك فدوة لا تقلقين ولا تضوجين ما بقى شي وأنزل، لا تخلّي ببالك». بعد أن مازحها وطمأنها على نفسه، مُتقمّصًا دور مُمثّلٍ أتقن دوره بامتياز.
ومضت ليلة أخرى أرختْ بثقلها على مصطفى، مع زائريْن غير مرغوب بوجودهما، اتّخذا من شرفة المنزل مركزًا للقنْص، ممّا أعاق تحرّكه، وأحصى عليْه أنفاسَه. حدّثته نفسُه بالتّخلّص منهما إلّا أنّ اتصالا من رائد حذّره من انكشاف أمره قبل أن يُتمّ اتّصالاتِه مع القيادات طالبًا الدّعمَ لإنقاذه.
وها هي ليلة تمرّ كسابقتها ومصطفى يُناغي جرحهُ، يُحاولُ أن يُصاحبهُ، فيقصّ عليه رحلة الجوع والعطش، ورحلة بلدٍ مزّقتْه الحروب، فاللّيل طويلٌ ولا بدّ من السّمر. ومن له غير الجرح يُسامرُه، ويقصّ عليه رؤياه؟ فالجراح خبيرة بتأويل الرؤى، تُخبرنا عن شقائق النّعمان الذي ينبتُ إثر سقوط كلّ شهيد. عجبًا لهذه الورود الحمراء! أنّى لها أن تعيَ فلسفة الشّهادة وقُدسيّتها لتطلع علينا وقدْ زيّنت الأرض وألبستها تاج العزِّ والفَخَار؟
الأمل بدأ يتضاءل بالحصول على معونة، والوقت لم يكن في صالح مصطفى مع وجود ارهابييْن يُشاركانه السّكن. وفي قرارة نفسه بات مُقتنعًا بوجوب القيام بعملٍ ما. فأن يموت فداء للأرض والعِرض، تحت وهج الشّمس، أشرف من الموت مُختبئًا، وطعم الموت في أمرٍ عظيم لا يُضاهيه أيّ شيء. ألم يقل الشّاعر: «والجود بالنّفس أقصى غاية الجودِ».
قرّر مصطفى وضع حدٍّ لما كان فيه، وها هو الهاتف يرنّ من جديد. إنّه الاتّصال الأخير مع رائد، وكان عليه أن يختبر بأس أخيه وشجاعته، فوجده على قدر المسؤوليّة، يفكّر بحكمة ورويّة، قمّة في الانضباط، وعندما تيقّن من جهوزيّته، أعطاه الإشارة لتنفيذ العمليّة، على أن يلتقيا ناحية البزل من الجهة المُقابلة.
إنّها اللّحظة الحاسمة، تحسّس مصطفى موضع الجرح، محاولًا الوقوف على قدميه، لقّم سلاحه، وصوّب باتّجاه القنّاصيْن، بعدها علتْ رشقاتٌ، وارتباك في صفوف الدّواعش ظنًّا منهم أنّهم مُخترَقون. أصوات الشتائم كانت تعلو وكلُّ منهم يُحمّل الآخر مسؤوليّة الاختراق وتهاونه في تمشيط المنطقة. فقد دبَّ الرّعب في قلوبهم. وبين هذا وذاك وقع مصطفى أسيرًا.
أرادوه حيًّا، استنطقوه فلم ينطق إلّا بالحقّ، صدر الحُكم الباغي. حملوه في سيّارةٍ مكشوفةٍ، يستعرضون به شوارع المدينة. كانت عيناه تتكلّمان وتُفصحان عمّا أضمره القلب.
جنديٍّ جريح لم تبتلَّ شفتاه ولم يذق طعم الزّاد منذ ثلاثة أيام، أعياه نزف جرحه، وتشقّقت شفاهه من شدّة العطش.
كان مصطفى غارقًا في التأمّل متفرسًا في وجوههم، محاولًا معرفة سيكولوجيّاتهم، فلم يقع في نظراتهم إلّا على عيون أهل الشّام وهم يقيمون الاحتفالات مبتهجين بالسّبايا والغنائم، إنّها النّظرةُ ذاتُها، تنمّ عن حقدٍ دفين، تشرّبته نفوسُهم الصدئة، فهم امتدادٌ لتلك الشّجرة الخبيثة التي قتلت الحسين (عليه السلام) بُغضًا بأبيه. كان يُناجي في سرّه وكـأنّه في عالمٍ آخر، وقد ضُرب بينه وبين النّاس حجاب «سيدي يا أمير المؤمنين، إقبلني جنديًا في جيشك، وعلى نهجك، وليكنْ موتي مؤشّرًا نحو الحقيقة، في سبيل الله وعلى ملّة رسول الله». رغم كلّ الألم كان مصطفى ثابتًا، رافعًا هامته، لم يُرَ مُطأطَأ الرأس قط، وصولًا إلى الجسر اللعين.
آهٍ أيُّها الجسر! لنا معك تاريخٌ طويل، يوم أخرجوا « الغريب» من مطاميرهم شهيدًا، كانت العيون تحملق به ولا تجرؤ على الاقتراب. وحده الطّبيب النّصرانيّ قال: «أليس لهذا الغريب عشيرة تطالب بدمه؟ لقد مات مسمومًا».
ثلاثة أيامٍ ومصطفى يُعانق السّماء، مُعلّقًا بحبال الشّمس، مرفوع الرأس، مواسيًا الحسين(عليه السلام) ، بوجهه الوضّاء، بجرحه الرّاعف، مُيممًا وجهه شطر العراق، يُصلّي صلاة الغائب باتّجاهات أربع. وأضحى مخفيّ الأثر، تزوره الملائكة، وكلّ قلبٍ أحبّه وأهداه سلامه من البعيد.
تقول الرواية: «سيأتي من يأخذ بثأر المظلوم بكربلا من غير غُسل ولا كفن، ويطالب بحقّ الغريب على جسر بغداد، ويُصليّ ركعتين عند القبر المخفيّ في البقيع».